الشيخ محمد السند
170
الغلو و الفرق الباطنية ( رواة المعارف بين الغلاة والمقصرة )
الحرام الذي تعدّوه إليه ولذا قال عليه السلام : وأصفه لك بحلاله وأنفي عنك حرامه . فهم قد أخطأوا في تأويل ما هو الحق الثابت الصادر عنهم عليهم السلام ، وهذا غلوّهم وإفراطهم . رابعاً : أنّه لابد من التمييز بين ما هو الأصل الذي اتخذت منه تلك المعاني المنحرفة وبين تلك المعاني التي حصل بها التعدي ، فالأصل لابد من التعرّف عليه وعدم إنكاره كما في قوله عليه السلام : ومعرّفكه حتى تعرفه إن شاء اللَّه فلا تنكره ومن ثم قال عليه السلام أيضاً : ولو أنّهم وضعوها على حدودها التي حدّت لهم وقبلوها لم يكن به بأس . وفيها قوله عليه السلام أيضاً : كذلك جرى بأنّ معرفة الرجال دين اللَّه ، والمعرفة على وجهين : معرفة ثابتة على بصيرة يعرف بها دين اللَّه ويوصل بها إلى معرفة اللَّه ، فهذه المعرفة الباطنة الثابتة بعينها الموجبة حقّها المستوجب أهلها عليها الشكر للَّهالتي منّ عليهم بها منّ من اللَّه يمنّ به على من يشاء ، مع المعرفة الظاهرة ومعرفة في الظاهر ، فأهل المعرفة في الظاهر الذين علموا أمرنا بالحق على غير علم لا تلحق بأهل المعرفة في الباطن على بصيرتهم ، ولا يصلون بتلك المعرفة المقصّرة إلى حق معرفة اللَّه كما قال في كتابه : « وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ » فمن شهد شهادة الحق لا يعقد عليه قلبه ولا يبصر ما يتكلم به ، لا يثاب عليه مثل ثواب من عقد عليه قلبه على بصيرة فيه ؛ كذلك من تكلّم بجور لا يعقد عليه قلبه لا يعاقب عليه عقوبة من عقد عليه قلبه وثبت على بصيرة . فقد عرفت كيف كان حال رجال أهل المعرفة في الظاهر والإقرار بالحقّ على غير علم في قديم الدهر وحديثه ، إلى أن انتهى الأمر إلى نبيّ اللَّه وبعده إلى من صاروا إلى من انتهت إليه معرفتهم ، وإنما عرفوا بمعرفة أعمالهم ودينهم الذي دان اللَّه به المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ، وقد يقال : إنه من دخل في هذا الأمر بغير يقين ولا بصيرة خرج منه كما دخل فيه رزقنا اللَّه وإياك معرفة ثابتة على بصيرة « 1 » .
--> ( 1 ) . بحار الأنوار 24 / 290 .